الشنقيطي
158
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بلفظ واحد ، بل بألفاظ متفرقة بنسق واحد كأنت طالق أنت طالق ، أنت طالق . وهذه الصورة تدخل لغة في معنى طلاق الثلاث دخولا لا يمكن نفيه ، ولا سيما على الرواية التي أخرجها أبو داود التي جزم العلامة ابن القيم رحمه اللّه بأن إسنادها أصح إسناد ، فإن لفظها أن أبا الصهباء قال لابن عبّاس : أما علمت أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس بلى ! كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر ، فلمّا رأى النّاس قد تتابعوا فيها قال أجيزوهنّ عليهم ، فإن هذه الرواية بلفظ طلقها ثلاثا وهو أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ ، كما جزم به العلامة ابن القيم - رحمه اللّه تعالى - في رده الاستدلال بحديث عائشة الثابت في الصحيح . فقد قال في زاد المعاد ما نصه : وأما استدلالكم بحديث عائشة « أنّ رجلا طلّق ثلاثا فتزوّجت ، فسئل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم هل تحلّ للأوّل ؟ قال : لا حتى تذوق العسيلة » فهذا مما لا ننازعكم فيه ، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني . ولكن أين في الحديث أنه طلّق الثلاث بفم واحد ؟ بل الحديث حجة لنا ، فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثا ، وقال ثلاثا ، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة ، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم . كما يقال قذفه ثلاثا ، وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا انتهى منه بلفظه . وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في الصحيح الذي جزم فيه العلامة ابن القيم - رحمه اللّه تعالى - بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد ، بل دلالته على أنها بألفاظ متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم ، ويؤيده أن البيهقي في السنن الكبرى قال ما نصه : وذهب أبو يحيى الساجي إلى أن معناه إذا قال للبكر : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . كانت واحدة فغلظ عليهم عمر رضي اللّه عنه فجعلها ثلاثا « 1 » ، قال الشيخ ورواية أيوب السختياني تدل على صحة هذا التأويل ا ه منه بلفظه ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود وهي المطابق لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم - رحمه اللّه - بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد ، بل واقعة مرة بعد مرة وهي واضحة جدا فيما ذكرنا ، ويؤيده أيضا أن البيهقي نقل عن ابن عباس ما يدل على أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة ، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث ، وهو صريح في محل النزاع ، مبين أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة ؛ لأنها تأكيد للصيغة الأولى ، ففي السنن الكبرى للبيهقي ما نصه : قال الشيخ ويشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثا تترى « 2 » ، روى جابر بن يزيد عن الشعبي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في رجل طلق امرأته
--> ( 1 ) كتاب الخلع والطلاق 7 / 338 . ( 2 ) كتاب الخلع والطلاق 7 / 339 .